ما هي الفلسفة وما منفعتها؟

كنت أبغي أولا أن أشرح معنى الفلسفة، مبتدئًا بأقرب الأشياء إلى فهم الكافة، مثل أن لفظ الفلسفة معناه دراسة الحكمة، وأنه لا يقصد بالحكمة التحوط في تدبير الأمور فحسب، بل يقصد منها معرفة كاملة لكل ما يستطيع الإنسان أن يعرفه، إما لتدبير حياته، أو لحفظ صحته أو لاستكشاف الفنون جميعًا، وأن المعرفة التي يُتَوسل بها إلى هاتيك الغايات لا بد أن تكون مستنبطة من العلل الأولى بحيث يكون من الضروري لاكتسابها (وهو ما يسمَّى على التحقيق تفلسفًا) أن نبدأ بالفحص عن هاتيك العلل الأولى، أي بالفحص عن المبادئ وأن هاتيك المبادئ لا بد أن يتوافر فيها شرطان، أحدهما أن يكون من الوضوح والبداهة بحيث لا يستطيع الذهن الإنساني أن يرتاب في حقيقتها متى أمعن النظر فيها، والثاني أن تعتمد عليها معرفة الأشياء الأخرى، بحيث إنها يمكن أن تُعرَف من دون هذه الأشياء ولا تُعرَف هذه الأشياءُ من دونها، ويلزم بعد هذا أن نسعى إلى أن نستنبط من تلك المبادئ معرفة الأشياءَ المعتمدة عليها بحيث لا يكون في سلسلة الاستنباطات شيء إلا وهو بيّن كل البيان... وكنت أبغي بعد ذلك أن أوجه النظر إلى منفعة الفلسفة وأن أبيّن أنه مادامت تتناول كل ما يستطيع الذهن الإنساني أن يعرفه، فيلزمنا أن نعتقد أنها هي وحدها تميزنا من الأقوام المتوحشين والهمجيين، وأن حضارة الأمة وثقافتها إنما تقاس بمقدار شيوع التفلسف الصحيح فيها؛ ولذلك فإن أجلَّ نعمة يَنْعَمَ اللهُ بها على بلد من البلاد هو أن يمنحه فلاسفة حقيقيين• وكنت أبغي أن أبين فوق هذا أنه بالنسبة إلى الأفراد، ليس فقط من النافع لكل إنسان أن يخالط من يفْرَغُونَ لهذه الدراسة، بل إن الأفضل له قطعًا أن يوجّه انتباهه إليها وأن يشتغل بها؛ كما أن استعمال المرء عينيه لهداية خطواته واستمتاعه عن هذا الطريق بجمال اللون والضوء أفضل بلا ريب من أن يسير المرء مغمض العينين مسترشدًا بشخص آخر• لكن هذه الحالة الأخيرة أفضل من حالة من يبقى مُغْمضَ العينين وليس له من مُرشد إلا نفسه• ولأنْ يحيَا المرءُ دون تفلسف هو حقًا كمن يظل مُغمضًا عينيه لا يحاول أن يفتحهما : والتلذذ برؤية كل ما يستكشفه البصر لا يمكن أن يقارَنَ بالرضى الذي ينال من معرفة الأشياء التي تنكشف لنا بالفلسفة.

 

 ديكارت، مبادئ الفلسفة، ترجمة عثمان أمين، دار الثقافة للطباعة والنشر، القاهرة 1974، ص• 30•







الجمعية الفلسفية المغربية- جميع الحقوق محفوظة - 2008