مدارات فلسفية العدد 2

أنشطة الجمعية الفلسفية المغربية

دولوز معربا(*)

         في السنة الماضية أحيت الجمعية الفلسفية المغربية بمدينة فاس ذكرى مرور خمسمائة على وفاة ديكارت، شارك فيها العديد من أساتذة الجامعات المغربية. وها نحن نجتمع اليوم لإحياء ذكرى فيلسوف آخر هو دولوز.

        ليس دولوز غريبا عن الثقافة المغربية. فالعديد من الأساتذة في الجامعات المغربية درس عليه، بل إن منهم من عاشره بصداقة لعدة سنوات. كما أن العديد من كتبه قد ترجم إلى العربية من طرف أساتذة وباحثين مغاربة. كان أول كتاب لدولوز عرف طريقه إلى العربية هو كتابه عن فوكو الذي ترجمه الأستاذ سالم يفوت ترجمة رائعة ونشره ببيروت سنة 1987.

        كما قام الأستاذ عبد الحي أزرقان، والأستاذ أحمد العلمي، وهما أستاذان في جامعتي فاس والقنيطرة، بإنجاز ترجمة دقيقة لكتاب "ما هي الفلسفة؟"، إلا أن بعض العوائق حالت دون صدوره إلى حد الآن. وقد أنجز الأستاذان كذلك ترجمة لكتاب آخر لدولوز هو "حوارات" الذي ينتظر صدوره قريبا.

        ونشير هنا أيضا إلى أن الأستاذ محمد هشام قد أنجز تحت إشرافنا في كلية الآداب بالرباط ترجمة لكتابي دولوز حول السينما الصورة-الحركة، والصورة-الزمن، لكنهما لم يجدا إلى حد الآن طريقهما إلى النشر. كما نشير هنا إلى أن كتاب دولوز حول "نيتشه والفلسفة" قد صدر معربا في بيروت من طرف مترجم لبناني، مثلما صدرت ترجمة عربية لكتاب "ما هي الفلسفة" في بيروت إلا أن هذه الترجمات الأخيرة تفتقد الكثير من الدقة والرصانة والأمانة العلمية.

        محاولات الترجمة هاته تندرج في سياق الجهود التي يبذلها الباحثون المغاربة في ترجمة الفكر الفلسفي العالمي عامة والفكر الفلسفي الفرنسي على وجه الخصوص. فقد أنجز الباحثون المغاربة منذ بداية السبعينات العديد من الترجمات الجيدة لأعمال فلاسفة فرنسيين نذكر منهم ألتوسير وباشلار وفوكو ودولوز وديريدا بالإضافة إلى ترجمة نصوص نيتشه وهيدجر.

        ومن خلال مواكبتي لأعمال العديد من الأصدقاء والزملاء والطلبة أعرف وأؤكد أن هنالك ترجمات لنصوص بورديو وآلان توران، ولييانسكي وغيرهم تنتظر النشر. والشيء المؤكد في هذا الباب هو أن ما يميز الترجمات المغربية هو دقتها ووفاؤها للنص الأصلي، مما جعلها تحظى بسمعة طيبة في الساحة الثقافية العربية كلها.

        لذلك فإن هذه الندوة حول فلسفة دولوز تشكل إلى حد ما تتويجا لهذا الاهتمام الذي يعود إلى عدة سنوات خلت. كما أنها تندرج، من زاوية أخرى، ضمن مجهودات الجمعية الفلسفية المغربية الفتية، من أجل التعريف بتطورات الفكر الفلسفي في العالم ونقله إلى اللغة العربية.

        من المؤكد أن دولوز فيلسوف يتسم بنوع من الفرادة والتميز، فهو فيلسوف التعدد والتنوع والاختلاف، وهو الفيلسوف الذي يعسر تصنيفه ضمن الخانات المعروفة في تاريخ الفلسفة. فهو لم يكن ماركسيا، ولا وجوديا، ولا بنيويا، ولا فرويديا تقليديا، ولا منينومينولوجيا، ولا تحليليا، ولا كنطيا جديدا، ولا هيدجريا ولا... ولا بل ربما كان، إذا جاز لنا تصنيفه، أقرب إلى كونه برغسونيا نيتشويا أو نيتشويا برغسونيا على طريقته الخاصة.

        لقد أسهم دولوز في إخراج الفلسفة من ظل هيجل الساحق وناهض كل تفكير نسقي مغلق، مناديا بالانفتاح على التجربة والحركة والتجريب، ومناهضا الديلكتيك من حيث أنه في العمق "فكرة مسيحية أساسا"، فكر يقوم على "ايديولوجيا الذَّحَل والحقد، العاجزة عن خلق طرائف جديدة في التفكير والإحساس"؛ كما أسهم بقسطه في تفكيك الميتافيزيقا الغربية وفي قلب الأفلاطونية، وفي إحلال منطق المعنى محل البحث عن الحقيقية، وفي مناهضات مثاليات مفارقة باسم محايثات خلاقة للحياة، وكذا في الدفاع عن صور الجسم وعن إيجابية الرغبة ضد كافة أشكال التحديد، كما أسهم في خلق آفاق جديدة أمام الفلسفة باعتبارها إبداعا للمفاهيم.

        هذه الأوجه المتنوعة والمتعددة لفكر لا يكف عن الترحال والتسآل، بل عن التنوع والتعدد، هي التي دفعت البعض إلى تسميته "بالفكر المرح في التباسات العالم" كما دفعت آخرين إلى اعتباره المفكر الذي يعكس صخب الوجود.

        والمداخلات التي تقدم في هذا اليوم الدراسي ستعرفنا على جوانب عديدة من فكر هذا الفيلسوف الذي أسهم في تجديد العديد من الأسئلة والإشكاليات الفلسفية.

 

تكريم جيل دولوز

 نظمت الجمعية الفلسفية المغربية

بتعاون مع مؤسسة الملك عبد العزيز آل سعود المعهد الفرنسي بالدار البيضاء

يوم الجمعة 25 أبريل 1998 بمؤسسة الملك عبد العزيز آل سعود بشارع

الكرنيش عين الدياب، أنفا الدار البيضاء

يوما دراسيا تكريما للفيلسوف الراحل جيل دولوز وقد كان

اليوم الدراسي منظما على الشكل التالي:

* جلسة الصباح:

الافتتاح       : كلمة الجمعية الفلسفية المغربية .

رئاسة الجلسة  : محمد سبيلا

عبد السلام بنعبد العالي دولوز مؤرخ للفلسفة

عبد الحي أزرقان: من أجل تأسيس متعدد

مصطفى لعريسة: دولوز وفوكو

محمد الدكالي   : المواطن والأحداث

* جلسة المساء:

رئاسة الجلسة  : سالم يفوت

أحمد العلمي   : دولوز وابن سينا

عبد اللطيف شهيبان: الرغبة المراقبة

محمد هشام   : دولوز قارئ للسينما

وأغلب مواد هذا اليوم الدراسي مدرجة في ملف دولوز بهذا العدد من المجلة.

 

من أنشطة الجمعية الفلسفية المغربية

عودة ابن رشد إلى مراكش

 

        نظمت الجمعية الفلسفية المغربية بتنسيق مع جامعة القاضي عياض ندوة دولية بمدينة مراكش بين 12 و15 دجنبر تحت عنوان الأفق الكوني لابن رشد وذلك مناسبة الذكرى المئوية الثامنة لوفاة أكبر فيلسوف عرفه الغرب الإسلامي وهو أبو الوليد بن رشد.

        وقع اختيار الجمعية الفلسفية المغربية على مدينة مراكش لأن ابن رشد معروف بفيلسوف مراكش. غير أن الدافع الحقيقي الكامن وراء هذا الاختيار كان أعمق. لقد رأى أعضاء الجمعية أن إحياء ذكرى وفاته كانت فرصة لإعادة روحه وعقله إلى مراكش كتعويض لها على حرمانها من جثمانه. إن تنظيم الندوة بمراكش معناه استنكار الفعل اللاإنساني الذي تعرض له جثمان ابن رشد وكتاباته، ورفضه كفعل يمكن أن يجسد موقف المغرب والمغاربة من الفلسفة والفلاسفة.

        لقد أحاطت أعمال الندوة بمختلف المجالات التي اهتم بها ابن رشد، وتم توزيعها على الشكل التالي:

- ابن رشد والفكر الفلسفي والكلامي والصوفي.

- ابن رشد وعلوم زمانه.

- ابن رشد والطب.

- ابن رشد والفقه وأصول الفقه.

- السياسة والأخلاق في فكر ابن رشد.

- الرشدية اللاتينية والعبرية والعربية.

- الخطابة والشعر.

- ابن رشد في الفكر العربي والغربي.

        ولعل أهم ما ميز مجمل المداخلات التي تقدم بها المشاركون في الندوة هو تجاوزها للطرح التقليدي للفلسفة الإسلامية الذي يحصرها في مدى ارتباطها بالفكر اليوناني وفي مدى ابتعادها عنه. لقد ذهب الجميع إلى إثارة تركيز ابن رشد على ضرورة الاهتمام بالفلسفة وإعطائها المكانة التي تستحقها وسط المعارف الإنسانية، إن لم نقل جعلها أساسا لهذه المعارف. فلا يمكن للعلم مثلا في نظر ابن رشد أن يستغني عن الفلسفة لأنها هي التي توجهه نحو الاهتمام بالكليات ومن ثم تجنبه الضياع في الجزئيات. كما لا يمكن للفقه أن يتطور ويساير مستجدات الحياة إلى لم يستبدل أسلوب الجدل بمنهج البرهان الذي تنفرد الفلسفة بضبط قواعده وتطويرها. وبقدر ما تسمح الفلسفة للفقه بتبني البرهان والابتعاد عن الجدل بقدر ما تسمح للمثقف بتجاوز الكلام والتصوف اللذين يختزلان الحياة الإنسانية الفكرية في اللاهوت والتجارب الذاتية الضيقة. وبقدر ما تقوم الفلسفة بهذا وذاك بقدر ما تنبه أيضا على أن للسياسة قواعد تسير وفقها ومبادئا أولى تقوم عليها.

        كان دفاع ابن رشد عن ضرورة حضور الفلسفة وسط الحقل المعرفي عاملا أساسيا -حسب المتدخلين بصدد علاقة الغرب المسيحي بفكر ابن رشد- في حضوره في الغرب المسيحي اللاتيني. فاهتمام مفكري القرون الوسطى بابن رشد كان الهدف منه يتراوح بين الدفاع عن خلق مكانة للفكر الفلسفي وسط الساحة الثقافية، وبين التصدي لهذا الفكر وإقصائه من المجال المعرفي. لقد تم اللجوء حقيقة إلى كتابات ابن رشد كوسيلة لفهم الفلسفة اليونانية وفي مقدمتها الفكر الأرسطي. غير أن الهدف الحقيقي من هذا الفعل لم يكن ليخرج عن خلق محيط ينتعش فيه الفكر الفلسفي بجوار الأنشطة الفكرية الإبداعية الأخرى بالنسبة لأولئك الذين قدروا ابن رشد، وعن إقصاء الفكر الفلسفي بالنسبة لمنتقديه والحاقدين عليه.

        كان الدفاع عن هذه الأطروحة قويا جعل المتدخلين يعلون من قيمة ابن رشد الفيلسوف ويشيدون بمنجزاته. غير أن هذا الموقف لم يمنعهم من تبني النقد تجاه بعض كتابات فيلسوف مراكش. لقد أثار بعض المتدخلين مسألة ارتباطه القوي بأرسطو وما ترتب عن ذلك من انعكاسات سلبية على ما قدمه في بعض المجالات، وفي مقدمتها المجال العلمي. هناك من ذهب إلى أن ارتباطه الوثيق بأرسطو حال بينه وبين الالتحاق بالفكر العلمي، كما أدى به أحيانا إلى إغفال أهم ميزة عرفت بها الفلسفة ألا وهي موقفها النقدي.

        ولم تخصص الجلسة الأخيرة لما آل إليه فكر ابن رشد في العالم الغربي في العصر الحاضر إلا للتأكيد على ضرورة الجمع بين الأطروحة التي دارت حولها الندوة وبين هذا الموقف النقدي الذي لوحظ غيابه أحيانا في بعض مجالات الفكر الرشدي، بمعنى ضرورة المساهمة في نشر الفكر الفلسفي داخل العالم الغربي دون إغفال أهم ميزة ارتبطت به عبر العصور أي طابعه النقدي.

        هناك حدث آخر يدعم بدوره اختيار "عودة ابن رشد إلى مركش" كعنوان لهذا التقديم للندوة. إن هذا النشاط الذي أقيم تقديرا لابن رشد وإحياء لفكره كان في الوقت ذاته مناسبة أعلن فيها وزير التعليم العالي فتح مجموعة من أقسام الفلسفة بجامعات مغربية أخرى غير جامعة محمد الخامس بالرباط وجامعة محمد بن عبد الله بفاس. وستكون جامعة القاضي عياض بمراكش أو جامعة ستفك الحصار الذي لحق الفلسفة بالرباط وفاس لتسمح بذلك لابن رشد بعودة رسمية إلى مدينة مراكش حيث ستعانقه أجيالها عبر العصور مجسدة الأفق الكوني لفكره وفلسفته.

 


 

* ) نص الكلمة التي ألقاها ذ.محمد سبيلا رئيس الجمعية الفلسفية المغربية في مفتتح اليوم الدراسي الذي نظمته الجمعية بتعاون مع مؤسسة الملك عبد العزيز آل سعود، والمركز الفرنسي بالدار البيضاء في 25 أبريل 1998.






الجمعية الفلسفية المغربية- جميع الحقوق محفوظة - 2008